السيد محمدحسين الطباطبائي
313
تفسير البيان في الموافقة بين الحديث والقرآن
وربّما استفيد تخيير المريض والمسافر - بين الصوم والقضاء بالإفطار - من قوله سبحانه : وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ عقيب قوله : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً . وقد عرفت أنّ الكلام عود إلى بدو الخطاب ، وأنّ الآيتين ليستا في مقام شرح الحكم . على أنّ لازم ذلك أفضليّة الصوم ، ويأبى عن ذلك سياق قوله تعالى بعده : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ « 1 » من غير تعرّض به ، وهو ظاهر عند العارف بأساليب الكلام . وفي الفقيه عن حفص قال : « سمعت أبا عبد اللّه - عليه السلام - يقول : إنّ شهر رمضان لم يفرض اللّه صيامه على أحد من الأمم قبلنا ، فقلت له : فقول اللّه - عزّ وجلّ - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ؟ قال : إنّما فرض اللّه - عزّ وجلّ - صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم ، ففضّل اللّه به هذه الامّة وجعل صيامه فرضا على رسول اللّه وعلى امّته » . « 2 » أقول : وما يقال : إنّ الرواية مخالفة للكتاب ؛ إذ ظاهر قوله : عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بظاهره يأبى أن يكون المراد به الأنبياء فقط . ربّما يجاب عنه : بأنّ الآية تدلّ على اشتراك الذين من قبلنا معنا في أصل الصيام ، ولم يصرّح بشهر رمضان بالخصوص ، فمن الجائز أن يكون الصيام - المكتوب على من قبلنا من سائر الأمم - صياما في غير شهر رمضان ، وإن كان المكتوب على الأنبياء صيام شهر رمضان . وفي تفسير القمّي قال : قال - عليه السلام - : « أوّل ما فرض اللّه الصوم لم
--> ( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 185 . ( 2 ) . من لا يحضره الفقيه 2 : 99 ، الحديث : 1844 .